الطريق إلى بيتِ الجدّة

بواسطة رؤى

غفوة

عادت لها ذكرىً من زمن يبعد عنها أعوامًا ومسافاتٍ وبناياتٍ وشخوصٍ وحيواتٍ لم تعد موجودة: اختفت كأنما لم تكن؛ بفعلِ جريان الأيام الذي يضفي على الحياةِ تغيراتٍ لا يدركها عقلُ الصغيرة التي كانتها، ومن ذلك: الهدم لأجل البناء.

هدم حارةٍ كاملة لأجل بناء فندقٍ أو شق طريق اسمنتي.
كانت قد خرجت يومًا مع الرفاق إلى الحارة في جولة “العصرية” المعتادة، بعد شوط الضحى الذي يبدأ بلعب الكرة وينتهي بإصاباتٍ طفيفة في الأقدام. وبضربةِ شمس تضطرهم إلى إيقاف اللعب، ويتّجه كلٌ إلى بيته كأنما قُلب في كومةٍ من التراب. فتكون الظهيرة بمثابة استراحة ما بين الشوطين، يتغذى بها الفريقان -فريقهم وفريق أولاد الجيران- يُدعكان ويُهددان بلهجةٍ شديدة إن هم تجرؤا على إفساد هذا الدّعك.

وفي ذلك اليوم اشتد عليهم التهديد واضطروا إلى الانقياد له بعد أن وعدوا كل ساكني بيت الجدّة بأنهم سيرجعون من الحارة كأنما استحموا لتوهم.
فكّروا في نشاطٍ بسيط لا يفسد عليهم ثيابهم، ولا يوسّخ أطرافهم.
وقفوا أمام باب بيت الجدّة، نطق أحد الصّغار بأنه نعس. وتبعه الاثنان -الآخر والصّغيرة- بقولهم المثل. فقال لهما: سيّارات بيت الجيران الخربة ثلاثةٌ، ونحن ثلاثة. لينم كلٌ منّا تحت واحدة.
ضحك الثلاثة من الفكرة ثم نظروا إلى بعضهم. توجّهوا في صمتٍ تحت تلك السّيارات وغفو.

أضغاث

تراءى لها حلم من زمنٍ ماضٍ. ها هي ذا تهوي من شرفة بيتهم القديم إلى الأسفل دونما ارتطام؛ بل هي في ترّجل أبدي نحو الأسفل، لا تطأ قدماها أي أرض. أحست في سقوطها بسلام. كأنما فرغت لتوها من تلاوة صلاةٍ محببة.
ثم تنبّهت لصوت الشجر؛ لكم يشبه تلاوة الصلاة! كانت محقةً عندما فكّرت بأنه إن أعرت سمعك للكون فستمعه بأكمله يصلي. تضم يديها ببعضها مأخوذةً بروعة النسيم وهو يتخلل إلى جسدها. تغمض عينيها كمن غط في نومٍ عميق.

سهد

لم تكن تعلم أن الطّريق إلى بيت الجدة سيصير هكذا بعد سنوات: طريقٌ لا يؤدي إليه. ولكثرة تواجدها هناك كانت قد حفظت الطريق عن ظهر قلب، لم يخطر ببالها قط أن ثلاجة المشروبات الغازية العتيقة القابعة عند آخر إشارة مرورية تفصلهم عن مدخل الحارة ستختفي قبل أن تجرّب الشراء منها حتى. وأن مقهى الإنترنت سيزال نهائيًا دون أن تفهم معنى: مقهىً وإنترنت.

بل وحتى العمارة الطويلة التي تلي المسجد ذا الأنوار الساطعة، كانت متأكدة من أن صديقتها في الفصل قالت بأن بيت جدتها هي يقع بعده. لذا في كل مرّة تخيلت أن تكون صديقتها واقفةً وراء نافذةٍ من نوافذ العمارة؛ تحادث جدّيها أو تشاكسهم.

تحب ذاكرتها عندما تتمكن دائمًا من الوصول إليه في خيالها، مستحضرةً ما استطاعت من تفاصيل: بيوت الطوب الأحمر التي تعتلي الأنفاق، أضواء الأنفاق المزعجة، البوابات الغامضة داخلها، كثافة الحجيج عند نقاطٍ معينة، الضوضاء والزّحام، رائحة الطعام سريع التحضير، أصوات الباعة، يافطات المتاجر المكتوبة بلغاتٍ مختلفة، الفندق المهترئ، مدرسة أبيها، دكّان الفول والتّميس، بقالة الحارة، دكّة الجد وأصحابه، دكّان الحلاّق الذي حلق لها شعرها يومًا بماكينة الحلاقة، “الدحديرة” المؤدية إلى الحرم، الهاتف العمومي… هاهو ذا بيت الجدّة.

اعتادت أن يزورها الأرق ليالٍ كاملة، يتساءل فيها أهل البيت عما كانت تفعله لتطوي تلك الليالي خصوصًا أنها كانت تقضيها على الفراش دونما حراكٍ أو كلام. لم يعلم أحد بأنها كانت تستذكر الطّريق الذي كان يؤدي إليه. إلى بيت الجدّة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s