عن الصبي الذي صيّر النخل رمادًا

رسمها فارس

بينما يبدأ الإنسان تعلم النطق؛ يصير قاصًّا.

كل إنسانٍ قاصٌ بالضرورة. حكواتيٌ يضفي على كلماته وحياته بعضًا من أناه، فتكون الحكاية.

زرتُ مرةً قرية أجدادي، وقضيت بها بضعةَ أيامٍ آثرت فيها مصاحبة أختين؛ الأولى منهن عاقلة، والأخرى صاخبةٌ شقية. وقد كان لهذا التوازن أثرٌ بارع في صقل ذكرياتي حول ذلك المكان الغامض، الذي يوحي درب المسير إليه بأنه قابعٌ في حافّة العالم. وأن لا حياة بعده.

ولما حانت أيام رفقة الأخت الشّقية التي أخذت بيدي كمن كان معتادًا على عرض قريته للغرباء من خارجها. أرتني أولًا بستان نخلٍ أخضر ممتدٍ على مدى البصر. وقالت أن رجال القرية يعملون بكدٍ في هذا البستان، وأن نساءهم يجنون ثماره بموسم الحصاد في طقس احتفالي جماعي تناسيًا منهم لما حدث في البستان الصغير القابع وسط القرية عند البناء الطيني الأقدم، والتي تداعى بمرور الأزمنة. وقد شدّت على قولها: ذاك بيت جدك الأول.

رسمتها دارين

توجهت وإياها إلى حيث أشارت، بعد أن امتنعت عن قص ما حدث للبستان الصغير حتى نبلغه. أو نبلغ ما تبقى منه. وهاقد بدأت الحديث عندما هممنا بالوصول:

قالت أن صبيًا صغيرًا خرج يومًا ليلعب تحت النخلة الأكبر، الظل الظليل لأهل تلك القرية. وفي جيبه عود ثقابٍ كان قد سرقه من مطبخ أمه التي لطالما حذّرته بألا يمس شيئًا منه. وأن يشغل نفسه باللعب مع أقرانه، فأبى إلا أن يسرق ولو أصغر ما تقع عليه عيناه: عود الثقاب.

وإذ به يلعب متوسطًا ذلك البستان، وقريبًا من النخلة، تتحسسها يداه وهو يردد أغنية شعبية نسيت كلماتها. فخطرت على باله فكرة أن يقرّب العود إلى النخلة ليرى ماذا يحدث. فقد قيل إليه أن أي عود ثقاب كان يومًا جزءًا من شجرة لا تقل حجمًا عن نخلة القرية. فتسبب هذا الصبي الشّقي في هلاك البستان بعد أن تم انقاذه بصعوبة.

وأني سأرى رمادًا، ودخانًا متصاعدًا من بقايا النّخل المحترق. هاقد وصلنا. قالت البنت.

ثمةَ دخانٌ خفيف يتصاعد، رأيته بكل وضوح؛ كأنما أخمد الحريق قبل سويعات. ورائحة المكان أشبه بحفل شواءٍ كبير. كنّا نخطوا على الرّماد كأنما فرشتِ الأرض به.

حتى الجدار المتبقي من بيت جدي الأول كان مغطىً بالسخام.

⁃ ماذا حدث للصبي؟ سألت

⁃ لقد تآكلت قدماه بفعل الشقاوة. احذري وكوني عاقلة.

⁃ ألم يمت؟

⁃ كلا. إنه الآن جد صديقتي. هيّا بنا إلى بيتهم. أود أن تريه

عرجت بنا إليه. كنت خائفةً من رؤية شخص أصيب بحروق في حريق كاد أن يودي بحياته. تساءلت كيف سيكون، وماذا سأقول له عند رؤيته. مرحبًا؟ هل أنت الصبي الشقي الذي افتعل حريقًا في البستان الصغير؟

وهاقد وصلنا إلى بيته، وقد كان بعمر جدّي، جالسًا على عتبته كأنما توقع وصولنا. ولبشرته لونان: سمرة وسمرةٌ بالغة.

⁃ كلمته الفتاة: مرحبًا يا عم.

⁃ أهلًا بالصغيرة

⁃ لقد أريت زائرتنا الحريق، أرها الأثر المتبقي منه على أقدامك

⁃ رفع الرجل ثوبه فإذا بأصابع أقدامه مهترئة وزائلة، كرسم محي بعضه بممحاة أقلام الرصاص. وقال: لقد احترقت يا ابنتي بفعل الشقاوة فانتبهي. ثم نظر إلى البنت موجّهًا إليها تهديدًا مرعبًا: وأنتِ، يجب ألّا تقتربي من مطبخ والدتك حتى لا تصيري إلى ما صرتُ إليه من الشقاوة!

وقد كانت تردد كلامه كمن حفظ نصًا عن ظهر قلب… أكّدت عليه بأنها لن تفعل، ودّعته. ومضينا في طريقنا.

بعد مضي السنين عادت إلي رواية تلك الفتاة، تساءلت عن صحتها. قال لي الكبار بأن أهل القرية استخدموه كحامٍ لنأي أطفالهم عن فعل القبيح. ولم يبدِ هذا الجد أي انزعاجٍ حول استخدامهم له، وقد لعب دوره ببراعةٍ حتى انقضت حياته. وأن كل من عاصروا ذاك الحريق انقضت حياتهم قبله؛ فلا أحد هناك ليشهد على صحّة القصة من بطلانها. ولم ينفها الجد أو يؤكد. لم يبق منها سوى الدخان والرّماد.

رسمتها ألين

رأيان حول “عن الصبي الذي صيّر النخل رمادًا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s