الزرقة من ورائكم… والنّهر أمامكم

أستحضر ذكرى قديمة لنهرٍ قاتم الزرقة، يبدو للوهلة الأولى بعمقٍ مرئي؛ كحوضِ استحمام طويل ملئ حتى المنتصف، حتى لا يحمّل المتحمم نفسه خطيئة الهدر.
كنت جالسةً ليلًا على إحدى ضفافه. وبيدي بوظة ڤانيلا صارت بفعل الجو أقرب إلى كأس حليب يبدأ به طفلٌ ما صباحه مكرهًا.

يمر زورق صغير مشرّع بإضاءات نيون قبيحة، وقد تكدّست به كومة من الأشخاص الذين ضلوا يضحكون حتى اختفى القارب من مرأى البصر، مضفيًا على المشهد طابعًا هزليًا.
كان واحدًا من تلك الأيام المفعمةِ بالزرقة. والتي لا يود المرء أن يتذكرها. لربما يستحضره بعد مضي أعوام، فيدرك أنه لم يلبث عنه إلا يومًا أو بعض يوم. وأن: “البارحة صارت عمر”.

ممتنة لما في الليل من قدرة على إراحةِ كل شيء بما في ذلك الألوان. قلبت كرسيي لأواجه النهر، وأتأمل صنع الليل به. كان لا يزال قاتمًا إلا من انعكاس مضيء لبدرٍ أتاحت له أضواء المدينة الخافتة فرصةً للألق. وها هو يستغلها قدر المستطاع.

للضفة الأخرى انعكاسات لأضواء شرفةِ مطعم صاخب حف بالشجر الذي كان حائلًا دون إعطاء عقود إنارة المطعم فرصتها للانعكاس كاملةً. تمتد الأشجار لتكوّن حديقةً سوداءَ ليلًا، جرداء نهارًا.
أرى ظلالًا كثيرةً تسير في أجواءٍ من الصخب. فساتين وبذلات تتراقص على أنغام لا آلفها. أياد تتشابك، سيقان تتراكض للضفر بمقعدٍ مطل.

بدا لي وكأن الخليقة كلها عبرت النهر. وتركت أنا لأتفرج عليهم من الضفة الأخرى، أراقب عبورهم وقرارهم. ممسكةً بشيءٍ ذائب.

رأيان حول “الزرقة من ورائكم… والنّهر أمامكم

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s