لو أنَّ الفتى حجرُ

جرّ الظل سِمة كل حي. فلو أمكننا تعريف الأحياء بعيدًا عن أي علمٍ لقلنا بأنها المخلوقات التي تجر وراءها ظلًا. وفي حالته هو؛ كان يجر -إضافةً إلى ظله- ظلال جميع من رحلوا تاركينه وراءهم.
فهاهو ظل جدّه يسير بمحاذاة ظله، حاجبًا عنه شعاع الشمس بشماغه، كما اعتاد أن يفعل دائًما.
وكدأب جدّته في إرشاده بتبصّر وليٍّ إلى دربٍ ما، دون أن تكون قد عرفت وجهته.
يقف صديقه الأعز بصرامةٍ حائًلا بينه وبين بلوةٍ كان زاعمًا على فعلها. يمسخر له مأساته، ويحط من هولها حتى يتسنى لهما الضحك عليها.
خاله يؤنس مسيره بحكاياتِ ترحاله المتواصل، في زمنٍ لم يكن يعرف فيه أحدًا قد صعد على متن طائرةٍ عداه، بإمكانه الإصغاء لخاله حتى عشر ساعاتٍ متواصلة، دونما كللٍ أو ملل.
يرافقه قطٌ كان قد عاش بينهم لسنوات. يمشي الهوينا متثاقلًا متثاءباً. لم ولن يدُّب أي نشاط في بدن هذا القط.
يلازمه شاعره المحبب في حال سرحه، يحمله بواسطةِ الكلماتٍ إلى آفاقٍ بعيدة، ينسجانها سويةً؛ فكلمةٌ منه، واثنتين أخريين من الشّاعر فتصير الكلماتُ بساطًا سحريًا يعبران به أفق المجاز.
سادس الظلال يعود لمغنٍ يألف صوته، يترنم معه شاديًا. يؤنسه في طريقه، ينام الطريق، يتعب. فيسهر هو ولا يتعب. ويتغنى بفعله متباهيًا.

يحزنه قضاء أيامه جارًّا -إضافةً إلى ظله- تلك الظلال التي آنسته موليًا لها ظهره. فإن همَّ بالالتفات لها آثرت السكون واختفت، بما فيهم ظله. وباءت جميع محاولاته في القبض على أثرٍ -ولو ضئيل- منها بالفشل، فالقابض على ظلٍ كالقابض على سراب؛ لن يفلحا أبدًا.

لطالما ود لو أنه حجر؛ فللحجر ظلٌ واحد. يقف ساكنًا دون أن يضطر لجرّه وراءه، ولا يحتمل ظلالًا أخرى عداه. قد يمتد ظل الحجرِ فيصير مثليه، ولا بأس عنده؛ طالما هو امتداد لذاته لا أكثر. لن يطلب رفاهية ألا يكون له ظلٌ كالماءٍ أو الزجاج، تمنى أن يكون حجرًا فقط. حجرٌ بظلٍ واحد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s