إصباحٌ أمثل

22 يونيو 2018
قابالا— 22 يونيو 2018

إنها الساعة الخامسة والنّصف صباحًا. الاستيقاظ بهذا الوقت يعني عودة الأمور لزمامها، والمياه لمجاريها. خصوصًا إن كان استيقاظًا بلا منبّه. وكاحتفالٍ بعودة الاعتيادية للأيام، قرّرت ارتداء فستان أبيض صيفي لاستقبال اليوم. كنت قد قرأت سابقًا في إحدى روايات إيزابيل الليندي بأن كلارا تخلصت من جميع ثيابها الملونة، مع الإبقاء على البيضاء منها فقط. لأنها تعتقد أن البياض انعكاس لروحها. أتفهم فعلها جيدًا في صباحٍ كهذا. مع يقينٍ تام بأنها كانت تستيقظ كل يوم بهذا الوقت، وبذات المزاج. أغبط كلارا على أمورٍ كثيرة، ولكن ليس على عصفورها الحبيس أو كلبها الغريب الأطوار. فلدي سرب عصافير يجالسني كل صباح بصوتٍ يؤنسني لباقي اليوم. بعد أيام مثقلة بسهر كئيب وفكرٍ رتيب. كان حريًا بي أن تضمحل تساؤلاتي لتساؤلٍ وحيد وملح: “إيش أفطر اليوم؟”. فإعداد الفطور أمرٌ محبب قد أستغرق وقتًا طويلًا فيه، ما بين أغنية وتمايلٍ عليها. فأراني -معاذ الله- طروبًا والهًا كالمتيم.

كم تبدو بعيدة تلك الصباحات التي كنت فيها بمثل هذا الوقت مختفية وسط أكوام من الورق والملفات، قهوتي باردة، وفطوري مثاليٌّ كالعادة. والزميلة تعلق بأن تكشيرة اليوم كفيلة بإبعاد الجن والأباليس عن الحي كله. ثم أسمع صوت مديرتي تناديني من الدرج -مع إنه كان بإمكانها الاتصال- فأسرع لإجابتها. وعبد الوهاب يغنّي: يا دنيا يا غرامي. يا دمعي يا ابتسامي. مهما كانت آلامي؛ قلبي يحبك يا دنيا.

قد يمر علي صباحٌ آخر بينما أفكر في طرق سفر بعيدة. بالمنازل القليلة التي تحفها غالبًا عن الشمال واليمين، ضيقةً كانت أم واسعة. يالرحابتها كلها داخل فكرٍ شارد. ويالضيق الغرفة مقارنةً ببراح ما احتوته.

اعتدت الاستيقاظ وبجانبي زجاجة ماءٍ بانتظار أن أشربها استقبالًا للإفاقة. كنت قد قلت لصديقتي سابقًا بأن: التناحة تسبق الإفاقة. والماء في حالتي فاصلٌ بينهما. ورحّبت بي كمؤسس لفلسفةٍ جديدة مناهضة للسارترية: الوجود يسبق الجوهر.
*أصوات لضحك جمهور*

يومٌ آخر قد يجيء وقد سبقته؛ وبدأته بصحوٍ معارٍ من صباح فائت صاحبني مُستقبلًا ذاك النهار. خارجًا من صراعٍ عديم الجدوى مع ليلٍ كموج البحر. وعلى ذكر المعلقة، قد أمضي ليالَ سهرٍ كثيرة متأملة كلماتها. وهي تبيت بجانبي كل يوم. وقد أتساءل… هل قولها: “عقرت بعيري يا امرئ القيس فانزل” كان لثقلٍ في البدن أم في الطينة؟
فيطلع عليَّ النهار دون أن أعرف. عمت صباحًا أيها الفكر الشارد. 
فتراني أعود إليه وهو يقول:
“وهل يعمن إلا سعيدٌ مخلد
قليل الهموم ما يبيت بأوجالِ”
فأقول بلى؛ إذا نام قبل أن يدركه الصباح.

كتبت في خط مكة- المدينة 11/7/2020

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s